الرئيسةأزمة المياه /  ندرة المياه.. تؤرق الخليج!
ندرة المياه.. تؤرق الخليج!
محمد شعبان
اسلام اون لاين 29\3\2001

يشغل العالم العربي 10% من مساحة العالم و5% من عدد سكانه، إلا أنه لا يحظى بأكثر من 0.5% من الموارد المائية العذبة المتجددة في العالم.. ويشهد الواقع تراجعًا ملحوظًا في حصة الفرد العربي من المياه، وصلت إلى حد الفقر المائي (يبلغ حاليًا أقل من 1000م3، متوقع أن ينخفض إلى 464م3 سنويًّا في عام 2025)، كما أن معظم المياه تنبع من خارج أراضيه؛ حيث تتحكم ثماني دول غير عربية في 85% من الموارد المائية العربية.
وتُعَدّ أزمة المياه في دول الخليج العربي أكثر حدة بالنظر إلى وقوع دول المجلس الست في منطقة صحراوية جافة وفقيرة، بمواردها المائية، وتتمثل مظاهر أزمة المياه في الخليج في الآتي:

ندرة المصادر الطبيعية
بينما تشكل مساحة تلك الدول 18% من مساحة الوطن العربي؛ فإن الأرض المزروعة بها لا تزيد على 2.4% من جملتها في الوطن العربي.
وقد ساهمت عوامل الموقع والمناخ في أن تكون شبه الجزيرة العربية قاحلة، باستثناء السلاسل الجبلية الساحلية، وبصفة عامة لا يوجد في الجزيرة كلها نهر جارٍ، وإنما يقتصر الأمر على السيول التي تسببها الأمطار الساقطة على السلاسل الجبلية، والتي تتسرب بدورها إلى الأرض لتشكل المياه السطحية والجوفية.
وعلى هذا الأساس تنقسم مصادر المياه التقليدية في دول الخليج إلى ثلاثة مصادر أساسية:
الأول: المياه السطحية، وهي تجمعات مائية غير ذات قيمة اقتصادية كبرى، منها العيون الموجودة في عُمان، ومجاري السيول الناتجة عن الأمطار الشتوية.
الثاني: مياه الأمطار، التي تسقط في فصل الشتاء.
الثالث: المياه الجوفية، ويتفاوت معدلها من قطر لآخر، بل وداخل القطر نفسه.

الاعتماد على الموارد غير التقليدية
دفعت ندرة مصادر المياه دول الخليج إلى البحث عن موارد مائية غير تقليدية لتأمين احتياجاتها الأساسية، وتتكون هذه الموارد من ثلاثة أنواع:
1 - تحلية المياه: تحتل الدول العربية المكانة الأولى عالميًّا في إنتاج المياه المحلاة؛ إذ تنتج 70% من إنتاج العالم (4.3 مليار م3 في عام 1996)، وتنتج دول الخليج يوميًّا 8.3 ملايين م3 تمثل 62.4% من الإنتاج العالمي للمياه المحلاة، ويتفاوت اعتماد الدول الست على هذا المصدر؛ فتأتي الإمارات في المقدمة (64.5% من احتياجاتها المائية)، تليها الكويت (63.24%)، وقطر (49.5%)، ثم البحرين (19%).
2 - مياه الصرف الصحي: تأتي في المرتبة الثانية من حيث الاستعمال، وتستخدم حاليًا في معظم الأقطار العربية لأغراض الزراعة.
ويسهم هذا المصدر بنسبة معقولة من المياه في دول الخليج العربي، وأكثر الدول استخدامًا له السعودية، تليها الإمارات، والكويت، وقطر، وعمان، وأخيرًا البحرين.
3 - مياه الصرف الزراعي المعالجة، وهي مياه تكاد تكون منعدمة.

جهود لسد النقص.. ولكن!
حذرت دراسة علمية حديثة، أعدها "وليد الزباري" مدير برنامج علوم الصحراء والأراضي القاحلة في جامعة الخليج العربي، من أن سكان شبه الجزيرة العربية تضاعفوا خمس مرات في أربعة عقود في ظل ارتفاع الضغط على الموارد المائية بسبب التنمية الاقتصادية، وهو ما انعكس في ارتفاع الطلب على المياه من 6 مليارات م3 عام 1980 إلى 29.7 مليار عام 1995، ويستهلك القطاع الزراعي 85% منها في إطار السعي إلى بلوغ الاكتفاء الذاتي غذائيًّا، ونبهت الدراسة إلى أن دول شبه الجزيرة تعاني حاليًا من عجز في موارد المياه، يقارب 16.4 مليار م3، وإلى أن سد العجز المتزايد سيؤدي في ظل تشبع طاقة التحلية إلى ضخ 30 مليار م3 من الموارد الجوفية؛ مما سيترك آثارًا على التربة والبيئة.
وتشير الدراسة إلى أن مشكلة المياه في دول الخليج ذات شقين:
الأول: يتعلق بالضغط على المياه الجوفية؛ بحيث يجري استثمارها بمعدلات تزيد على معدلات التجديد لها.
الثاني: توسيع الاعتماد على المصادر غير التقليدية للمياه، خاصة المياه المحلاة، وهي ذات تكاليف عالية؛ إذ تتراوح تكلفة إنتاج المتر المكعب بين دولار وثلاثة أرباع الدولار.
وتشير الدراسات إلى أن دول الخليج اعتمدت على تحلية مياه البحر، وباتت هذه التقنية توفر ما بين 50 و 90% من مياه الشرب فيها، وأصبحت محطاتها التي تربو على 65 محطة تمثل أحد مفاصل الأمن الوطني لهذه الدول، علمًا بأن كلفة إنشاء المحطة الواحدة لا تقل عن مليار دولار، فيما تقدر كلفة المشاريع المقررة في دول المجلس خلال السنوات الخمس القادمة بـ 7 مليارات دولار، منها 2.9 مليارًا لمحطات تحلية بالسعودية، و2.2 مليارًا في الإمارات، أما بقية المشروعات؛ فموزعة على البحرين والكويت وعمان وقطر، ويطرح الخبراء عددًا من الخيارات أمام دول المجلس للتغلب على مشكلة المياه، أهمها ما يلي:
1 - خصخصة قطاع المياه: تبنّى هذه الفكرة صندوق النقد والبنك الدوليين، لكن دول الخليج أحجمت عن تبني الفكرة على نطاق واسع؛ لأنها ستنقل عبء السعر الذي سيحدده المستثمر إلى كاهل المستهلك، ويرجع ذلك بشكل أساسي إلى أن نمط "دول الخدمات" ما زال سائدًا في الخليج؛ حيث تتحمل الدول الخليجية ما يتراوح بين 50 - 80% من تكلفة بعض الخدمات مثل الكهرباء والتعليم والصحة والمياه.
لكن بعض الحكومات - في البحرين مثلاً - سمحت مؤخرًا للقطاع الخاص بتنفيذ مشاريع مائية مثل محطات التحلية وإقامة السدود المائية.
2 - تسعير المياه: يرى خبراء دوليون أن أسعار المياه هناك تتسم بالانخفاض الكبير، خاصة بالنسبة للقطاع الزراعي، ويقترحون تعديل أسعار المياه بما يحقق استرداد التكلفة الخاصة بالمعالجة والصيانة، بالإضافة إلى جزء من تكلفة الاستثمار.
3 - الاستفادة من المشروعات الإقليمية: ويتم ذلك من خلال إقامة مشاريع لنقل المياه من مناطق نائية عبر مسافات طويلة بواسطة أنابيب.

خمس مشروعات لتوفير المياه
وفي هذا الصدد نشير إلى عدد من المشروعات المقترحة:
1 - سحب المياه من جبال إيران بواسطة الأنابيب تحت مياه الخليج إلى دول خليجية مجاورة، وفي هذا الإطار تم التوقيع المبدئي على اتفاق بين إيران وقطر، تزود به الأولى الثانية بالمياه العذبة بواسطة أنبوب يصل بين ضفتي الخليج بتكلفة 13 مليار دولار، كما أشارت تقارير مؤخرًا إلى أن هناك خططًا طموحة لإقامة أطول خط أنابيب في العالم لنقل مياه الشرب من إيران إلى الكويت، وأنه من المقرر أن يحمل خط الأنابيب - يصل طوله إلى 45 كم - 200 مليون متر مكعب من المياه من سد "كرخة" في شمال إيران إلى سواحل جنوب الكويت بتكلفة ملياري دولار.
2 - مشروع أنابيب السلام التركي الذي يهدف إلى تزويد بلدان الجزيرة العربية والخليج بالمياه التركية عبر أنبوب ضخم طوله 6500 كم، وهي المسافة بين تركيا ودول الخليج.. ولا شك أن هذا يحقق ملياري دولار عائدات سنوية لتركيا.
3 - سحب مياه نهر السند تحت خليج عمان إلى الإمارات، وإقامة سد ضخم في المنطقة الجبلية لحفظ المياه.
4 - سحب جبال من جليد القطب الجنوبي إلى سواحل الجزيرة العربية.
5 - سحب مياه من السد العالي بمصر على اليابسة، وتحت البحر الأحمر إلى السعودية.

صعوبات تعرقل التنفيذ
يلاحظ على المشاريع الثلاثة الأخيرة، أنها باهظة التكاليف، إلى جانب التأثيرات التي ستتركها على البيئة البحرية، في خط مسارها، كما أنها غير عملية.
أما مشروعي إيران وتركيا يهددهما وجود بعض الشوائب في العلاقات الإيرانية الخليجية، وخاصة مع الإمارات بسبب احتلال إيران للجزر الإماراتية الثلاث، وينطوي المشروع التركي على مخاطر تهدد الأمن القومي العربي، لعل أهمها: أن يؤدي اعتماد الدول العربية المعنية - خاصة الخليجية - على مياه المشروع إلى غياب الحافز اللازم لمواصلة مشروعاتها الرامية إلى الاعتماد على الذات في توفير احتياجاتها المائية، كما أنه من الوارد أن يمنح تنفيذ المشروع تركيا وسيلة للضغط على هذه البلدان لمواءمة سياستها بشكل مستمر على نحو يخدم المصالح التركية والغربية.
بالإضافة إلى ما سبق؛ فإن هناك إشكالات فنية اقتصادية تتمثل في التكاليف المالية العالية والمفترضة لمشاريع سحب المياه؛ إذ إن على هذه المشاريع قطع مسافات طويلة وسط ظروف جغرافية شديدة التنوع، كما أنها تمتد عبر منطقة ملتهبة سياسيًّا باستمرار، وتصل إلى حد الانفجار السياسي في أحايين كثيرة.
لذا؛ فإن على الدول الخليجية أن تركز جهودها في تنمية مواردها الذاتية من المياه من خلال الاستمرار في سياسة تحلية المياه، والتخلي تدريجيًّا عن بعض سمات دولة الخدمات، عن طريق خصخصة قطاع المياه، واتباع سياسة التسعير، واعتبار المياه سلعة اقتصادية؛ حتى لا تقع تحت رحمة تغير الظروف والأوضاع في منطقة الشرق الأوسط، والتي تفيد المؤشرات أنها ستظل من بين البؤر الساخنة في العالم خلال العقود الأولى من القرن الحالي.

كاتب مهتم بالشأن الاقتصادي
المشاهدات: 10726
التعليقات (0)Add Comment

أضف تعليق
تصغير | تكبير

busy
 

الاستفتاء

هل تعتقد أن المستقبل سيكون مشرق بعد نضوب النفط؟





 

صفحة الفيسبوك

الإعلانات
الإعلانات